أبو علي سينا
الفن السادس 39
الشفاء ( الطبيعيات )
الفوقانية تتولد العلوم ، فهذه هي القوة العملية . وأما القوة النظرية فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة ، فإن كانت مجردة بذاتها فأخذها لصورتها في نفسها أسهل ، وإن لم تكن فإنها تصير مجردة بتجريدها إياها ، حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شئ ، وسنوضح كيفية هذا من بعد . وهذه القوة النظرية لها إلى هذه الصور نسب مختلفة ، وذلك لأن الشئ الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة قابلا له وقد يكون بالفعل قابلا له . والقوة تقال على ثلاثة معان ، بالتقديم والتأخير : فيقال قوة للاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه بالفعل شئ . ولا أيضا حصل ما به يخرج ، كقوة الطفل على الكتابة . ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا كان لم يحصل للشئ إلا ما يمكنه به أن يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة ، كقوة الصبى الذي ترعرع وعرف الدواة والقلم وبسائط الحروف على الكتابة . ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة ، وحدث مع الآلة أيضا كمال الاستعداد بأن يكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى الاكتساب ، بل يكفيه أن يقصد فقط ، كقوة الكاتب المستكمل للصناعة إذا كان لا يكتب . والقوة الأولى تسمى مطلقة وهيولانية ، والقوة الثانية تسمى قوة ممكنة ، والقوة الثالثة تسمى كمال « 1 » القوة . فالقوة النظرية إذن تارة تكون نسبتها إلى الصور المجردة التي ذكرناها نسبة ما بالقوة المطلقة ، وذلك حين ما تكون هذه القوة التي للنفس لم تقبل بعد شيئا من الكمال الذي بحسبها ، وحينئذ تسمى عقلا هيولانيا ، وهذه القوة التي تسمى عقلا هيولانيا موجودة لكل « 2 » شخص من النوع ، وإنما سميت هيولانية تشبيها إياها « 3 » باستعداد الهيولى الأولى التي ليست هي بذاتها ذات صورة من الصور ، وهي موضوعة لكل صورة . وتارة « 4 » نسبة ما بالقوة الممكنة ، وهي أن تكون القوة الهيولانية قد حصل فيها من المعقولات المعقولات « 5 » الأولى التي يتوصل منها وبها إلى المعقولات الثانية ، أعنى بالمعقولات الأولى المقدمات التي يقع بها التصديق لا باكتساب ولا بأن يشعر المصدق بها أنه كان يجوز له أن يخلو
--> ( 1 ) كمال : كماله م . ( 2 ) لكل : ولكل م . ( 3 ) إياها : لها م . ( 4 ) وتارة : + وتكون ك . ( 5 ) المعقولات المعقولات : المعقولات ت د ، ك ، م .